أحمد بن محمد المقري التلمساني
120
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
وكأنه - أعني لسان الدين - أشار ببعض فصولها إلى نفسه ، ونطق بالغيب في نكبته التي قادته إلى رمسه « 1 » ، وكان ذلك منه عندما أراد التخلّي عن خدمة الملوك ، والتحلي بزينة أهل التصوّف والسلوك ، فلم يرد اللّه أن تكون مهجته نائية عن ساحة الظلمة خارجة ، وأراد سامحه اللّه وغفر له عمرا وأراد اللّه خارجة « 2 » ، وصورة ما قال رحمه اللّه تعالى : « وأحسست منه - يعني ابن مرزوق - في بعض كتبه الواردة إليّ صاغية « 3 » إلى الدنيا وحنينا لما بلاه من غرورها ، فحملني الطور الذي ارتكبته في هذه الأيام ، بتوفيق اللّه ، على أن أخاطبه بهذه الرسالة ، وحقّها أن يجعلها خدمة الملوك ممّن ينسب إلى نبل ، ويلمّ بمعرفة ، مصحفا يدرسه ، وشعارا يلتزمه ، وهي : سيدي الذي يده البيضاء لم تذهب بشهرتها المكافات « 4 » ، ولم تختلف في مدحها الأفعال ولا تغايرت الصفات ، ولا تزال تعترف بها العظام الرّفات ، أطلقك اللّه من أسر كلّ الكون كما أطلقك من أسر بعضه ، وزهّدك في سمائه الفانية وفي أرضه ، وحقر الحظّ في عين بصيرتك بما يحملك على رفضه ، اتصل بي الخبر السارّ من تركك لشأنك ، وإجناء اللّه تعالى إياك ثمرة إحسانك ، وانجياب ظلام الشدّة الحالك ، عن أفق حالك ، فكبرت ، وفي الفرج من بعد الشدّة اعتبرت ، لا بسوى ذلك من رضا مخلوق يؤمر فيأتمر ، ويدعوه القضاء فيبتدر « 5 » ، إنما هو فيء « 6 » ، وظلّ ليس له من الأمر شيء ، ونسأل اللّه جلّ « 7 » وعلا أن يجعلها آخر عهدك بالدنيا وبنيها ، وأول معارج نفسك التي تقربها من الحقّ وتدنيها ، وكأني واللّه أحسّ بثقل هذه الدعوة على سمعك ، ومضادتها ولا حول ولا قوة إلّا بالله لطبعك ، وأنا أنافرك إلى العقل الذي هو قسطاس « 8 » اللّه تعالى في عالم الإنسان ، والآلة لبثّ العدل والإحسان ، والملك الذي يبين عنه ترجمان اللسان ، فأقول : ليت شعري ما الذي غبط سيدي بالدنيا ، وإن بلغ من زبرجدها الرتبة العليا ، ونفرض المثال بحال إقبالها ، ووصل حبالها ، وخشوع جبالها ، وضراعة سبالها ، التوقّع المكروه صباحا ومساء ، وارتقاب الحوالة
--> ( 1 ) رمسه : قبره . ( 2 ) هذا مثل قاله عمرو بن العاص لمن جاء مصر ليقتله فأصاب خارجة وهو يظنه عمرا . ( 3 ) صاغية : ميلا . وهو مصدر جاء على زنة اسم الفاعل . ( 4 ) في ب « المكافاة » . ( 5 ) يبتدر : يسرع . ( 6 ) فيء : ظل . ( 7 ) في ب « ونسأله جل وعلا » . ( 8 ) القسطاس : الميزان .